في هذا المقال، تستعرض أخصائية علم النفس العصبي ديانا كارولينا Gómez Blanco بعمق مرضًا نادرًا في علم النفس العصبي يُسمى متلازمة جيرستمان.
ما هي متلازمة جيرستمان
متلازمة جيرستمان هي اضطراب عصبي ونفسي عصبي نادر، يتألف من رباعية من الأعراض التي تتضمن:
- اضطراب في إجراء العمليات الحسابية (العجز الحسابي)،
- صعوبة في تمييز أصابع اليد (أغنوزيا الأصابع)،
- فقدان القدرة على الكتابة (أغرافيا)
- واختلال في التمييز بين اليسار واليمين (الارتباك يمين-يسار).
هو اضطراب عصبي نادر تم تحديده من قبل عالم الأعصاب النمساوي Kurt Gerstmann في عام 1940، وقد وفّرت دراسته معارف قيمة حول توطين الدماغ والوظائف المعرفية. عادةً ما ترتبط هذه المتلازمة بأضرار في المنطقة الجداريّة الخلفية من الدماغ، لا سيما في الفص الجداري الأيسر.
أعراض متلازمة جيرستمان
متلازمة جيرستمان هي اضطراب يؤثر في عدة قدرات معرفية أساسية للحياة اليومية، وتتكون تحديدًا من رباعية من الأعراض التي تشمل:
- فقدان إدراك الأصابع: صعوبة في تحديد أو التعرف على أصابع اليد. الأشخاص المصابون بفقدان إدراك الأصابع لا يستطيعون تحديد أي إصبع يُشار إليه، رغم عدم وجود مشاكل في رؤيتها أو لمسها.
- العجز الحسابي: صعوبة في إجراء العمليات الحسابية، وقد يشمل ذلك العمليات البسيطة والمعقدة. قد يصبح الأشخاص المتأثرون غير قادرين على الجمع أو الطرح أو الضرب أو القسمة، رغم قدرتهم على أداء هذه المهام سابقًا دون مشاكل.
- أغرافيا: فقدان القدرة على الكتابة بالرغم من عدم وجود مشاكل في الحركة. قد يعجز الأشخاص المصابون بالأغرافيا عن تشكيل الكلمات بشكل صحيح، رغم احتفاظهم بمعرفة اللغة.
- ارتباك اليمين واليسار: عدم القدرة على التمييز بين اليمين واليسار، حتى في المواقف البسيطة. قد يؤدي ذلك إلى صعوبات في التوجيه المكاني وأداء الأنشطة اليومية.
في بعض الأحيان قد يتضمن أيضًا وجود:
- خلل بصري-مكاني: اضطرابات في الإدراك المكاني والتنظيم البصري. غالبًا ما يواجه الأشخاص الذين يعانون منه صعوبة في فهم العلاقة بين الأشياء في الفضاء.
أسباب وتوطين متلازمة جيرستمان في الدماغ
متلازمة جيرستمان ترتبط عادةً بضرر في الفص الجداري الأيسر، وخاصة في التلفيف الزاوي. هذا الفص أساسي للتكامل الحسي وتمثيل الجسم، وأي ضرر في هذه المنطقة قد يؤدي إلى العجز المميز للمتلازمة.
قد تعود أسباب هذه المتلازمة إلى عوامل هيكلية أو عمليات بيولوجية عصبية. على الرغم من أن الوصفات الأولى ربطت متلازمة جيرستمان أساسًا بالآفات الموضعية في التلفيف الزاوي للفص الجداري الأيسر، فقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن هذا الاضطراب قد يُسببه مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك إصابات الدماغ المكتسبة واضطرابات التنكس العصبي.
1. الإصابات الدماغية المكتسبة
الإصابات الدماغية المكتسبة هي إحدى الأسباب الرئيسية لمتلازمة جيرستمان. وهذه تشمل مجموعة متنوعة من الأحداث المرضية التي يمكن أن تُلحق الضرر بالبنى الدماغية المشاركة في الوظائف المعرفية الخاصة بالمتلازمة. فيما يلي بعض الأحداث المرضية التي قد تسبب المتلازمة:
السكتات الدماغية (CVA)
تُعد السكتات الدماغية (CVA) أو الجلطة الدماغية من أكثر الأسباب شيوعًا لمتلازمة جيرستمان. قد يتسبب سكتة دماغية في الفص الجداري الأيسر، خصوصًا في منطقة التلفيف الزاوي أو في القشرة المرتبطة بالإدراك والحساب، في تضرر البنى المسؤولة عن الوظائف المعرفية المتضمنة في المتلازمة مثل الحساب والكتابة والتعرف على الأصابع. يمكن أن تنجم السكتات عن انسدادات (السكتة الإقفارية) أو نزيف (السكتة النزفية)، وتعتمد شدة الضرر على امتداد وموقع المنطقة الدماغية المتأثرة.
إصابات الرأس والدماغ
يمكن أن تؤثر الإصابات الرضحية في الرأس على مناطق الدماغ المسؤولة عن الوظائف المعرفية والحركية المرتبطة بمتلازمة جيرستمان. قد تتسبب الحوادث أو السقوط أو الضربات على الرأس في حدوث رضوض أو نزيف دماغي، خاصة في الفص الجداري، مما يعوق التواصل بين المناطق الدماغية المختلفة. في هذه الحالات، يمكن أن تؤدي إصابة الدماغ المباشرة أو الضغط على البنى الدماغية إلى تحفيز الأعراض الكلاسيكية للمتلازمة.
الأورام الدماغية
يمكن أن تسبب الأورام في الفص الجداري الأيسر أيضًا متلازمة جيرستمان. قد يضغط الورم على المناطق الدماغية المسؤولة عن الوظائف المتأثرة بالمتلازمة، مما يؤدي إلى صعوبات في الحساب والكتابة والإدراك المكاني. قد تعتمد سرعة ظهور وطبيعة الأعراض على معدل نمو الورم وموقعه الدقيق داخل الدماغ.
التهابات الدماغ
يمكن أن تؤثر العدوى مثل التهاب الدماغ أو التهاب السحايا على مناطق متعددة في الدماغ، بما في ذلك تلك التي تنظم الإدراك المكاني والقدرات المعرفية. قد تُحدث الالتهابات الدماغية الناتجة اضطرابات في الاتصالات العصبية، مسببة عجزًا مشابهًا لما يُرى في متلازمة جيرستمان. يمكن أن تتلف هذه العدوى كلًا من النسيج الدماغي والشبكات العصبية المشاركة في الوظائف المعرفية العليا.
2. الأمراض التنكسية العصبية
على الرغم من ارتباط متلازمة جيرستمان عادةً بالآفات المكتسبة، فقد تكون أيضًا نتيجة الأمراض التنكسية العصبية التي تؤثر تدريجيًا على الدماغ. غالبًا ما تُحدث هذه الحالات تدهورًا تدريجيًا يؤثر على القدرات المعرفية والحركية لدى المصابين بها. من بين أمراض التنكس العصبي الأكثر صلة التي قد ترتبط بمتلازمة جيرستمان ما يلي:
الخرف الجبهي الصدغي (DFT)
في بعض الحالات، قد يطوّر الأشخاص المصابون بـ الخرف الجبهي الصدغي، وهو مرض تنكسي عصبي يصيب الفصوص الجبهية والصدغية في البداية، أعراضًا تتوافق مع متلازمة جيرستمان. يؤثر الخرف الجبهي الصدغي على القدرات التنفيذية والشخصية والوظائف المعرفية، وقد يشمل اضطرابات في مهارات الحساب والكتابة والإدراك المكاني. على الرغم من أن الضرر الأولي يحدث في الفص الجبهي، مع مرور الوقت قد يؤدي تضرر المناطق الجداريّة إلى ظهور عجز ذي صلة بمتلازمة جيرستمان.
مرض ألزهايمر (EA)
بينما يَتميّز مرض ألزهايمر بشكل أساسي بفقدان الذاكرة وتدهور إدراكي عام، قد يُظهر أيضًا أعراضًا مرتبطة بمتلازمة جيرستمان في المراحل المتقدمة. في مرض ألزهايمر، تتوزع الآفات بشكل أوسع لكنها قد تؤثر في نهاية المطاف على الفص الجداري، مما قد يساهم في بروز العجز المحدد لهذه المتلازمة. قد يؤدي المسار التنكسي في المناطق المرتبطة بالحساب والكتابة إلى ظهور أعراض مشابهة لمتلازمة جيرستمان.
3. أمراض الأوعية الدموية الدماغية المزمنة
يمكن أن تؤدي أمراض الأوعية الدموية الدماغية المزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم غير المسيطر عليه، إلى تغيّرات هيكلية تدريجية في الدماغ تؤثر على المناطق المسؤولة عن الوظائف المعرفية المعقدة. قد يعاني الأشخاص ذوو التاريخ المرضي لجلطات دماغية صغيرة متكررة (احتشاءات لاكُنة) من تضرر تراكمي في المناطق الجداريّة، مما يزيد من خطر تطور متلازمة جيرستمان مع تقدم المرض.
4. تشوهات خلقية واضطرابات النمو
في حالات نادرة، قد ترتبط متلازمة جيرستمان بتشوّهات دماغية خلقية تؤثر في بنية الفص الجداري الأيسر أو الاتصالات العصبية التي تُسهل الوظائف المعرفية المعنية. قد تترافق اضطرابات مثل عسر القراءة أو فقدان الإدراك البصري لدى أفراد ذوي اختلافات نَسْجِيّة عصبية تُغيّر كيفية معالجة الدماغ للمعلومات. مع ذلك تظل هذه الحالات استثنائية، إذ إن المتلازمة عادةً ما ترتبط بإصابات مكتسبة أو بأمراض تنكسية عصبية.
5. عوامل وراثية وبيولوجية عصبية
على الرغم من أن الأسباب الوراثية المحددة لمتلازمة جيرستمان ليست مفهومة تمامًا، تشير أبحاث حديثة إلى أن عوامل بيولوجية عصبية ووراثية معينة قد تهيئ الفرد للإصابة بهذا الاضطراب، خصوصًا في سياق الأمراض التنكسية العصبية. أشارت بعض الدراسات إلى أن الاضطرابات الجينية التي تؤثر على الاتصال العصبي والوظائف الدماغية العليا قد تُسهِم في تطور المتلازمة. مع ذلك، فقد نجم معظم الحالات الموثقة من متلازمة جيرستمان عن إصابات مكتسبة أو أمراض دماغية تقدمية، بدلًا من عوامل وراثية موروثة.
6. التفاعلات بين العوامل البيئية والوراثية
إلى جانب العوامل الوراثية والأمراض التنكسية العصبية، قد تكون التفاعلات بين العوامل البيئية (مثل الإجهاد المزمن أو العدوى السابقة) والاستعدادات الوراثية عاملًا أساسيًا في تطور متلازمة جيرستمان. قد تؤدي التعرضات البيئية، مثل الصدمات الدماغية المتكررة أو الحالات الطبية الطويلة الأمد، إلى تحفيز أو تسريع تدهور الوظائف المعرفية، لا سيما عند تزامنها مع قابلية وراثية للإصابة باضطرابات عصبية.
تشخيص متلازمة جيرستمان
يعتمد تشخيص متلازمة جيرستمان على التقييم السريري للأعراض والتاريخ الطبي للمريض. تُعد الفحوصات العصبية، التي تتضمن اختبارات الإدراك المكاني والتعرف على الأشياء والمهارات الحسابية، أساسية لتحديد العُجز المعرفي المحدد. بالإضافة إلى ذلك، يمكن إجراء تصوير الدماغ مثل الرنين المغناطيسي أو التصوير المقطعي المحوسب لتحديد الضرر في الفص الجداري الأيسر ومناطق أخرى ذات صلة.
من المهم الإشارة إلى أن تشخيص متلازمة جيرستمان قد يكون معقدًا، لأن أعراضها قد تتداخل مع اضطرابات عصبية أو معرفية أخرى، مثل فقدان الإدراك البصري أو اضطرابات اللغة. لذلك، ينبغي أن يتم التشخيص من قبل فريق من المتخصصين الطبيين وعلماء النفس العصبي.
العلاج وإدارة متلازمة جيرستمان
لا يوجد علاج محدد لمتلازمة جيرستمان، إذ إنها اضطراب معرفي عصبي ناتج عن تلف دماغي هيكلي. ومع ذلك، قد يشمل إدارة الأعراض جلسات إعادة التأهيل العصبي. تهدف هذه العلاجات إلى مساعدة الأشخاص على تحسين مهاراتهم المعرفية والتكيف مع قيود المتلازمة.
بعض الاستراتيجيات المستخدمة في التأهيل تشمل:
- العلاج الوظيفي: يركز هذا العلاج على مساعدة الأشخاص المتأثرين على استعادة المهارات الحركية والمعرفية الأساسية للأنشطة اليومية. يعلّم أخصائيو العلاج الوظيفي هؤلاء المرضى كيفية تنظيم أنشطتهم بطريقة تساعدهم على التغلب على الصعوبات المتعلقة بالحساب والكتابة والتوجيه المكاني.
- التدريب الحسابي واللغوي: قد يخضع الأشخاص المتأثرون لجلسات تدريب معرفي تساعدهم على استعادة القدرة على إجراء الحسابات والكتابة بشكل صحيح. قد تتضمن هذه الجلسات تكرار مهام بسيطة أو معقدة حتى يتحسن أداء هذه المهارات.
- علاج التكامل الحسي: يركز هذا النوع من العلاج على تحسين الإدراك المكاني والقدرة على التعرف والتنسيق بين الأطراف. قد تكون التحفيزات اللمسية وممارسة المهام الحركية مفيدة للأشخاص المصابين بأغنوزيا الأصابع والارتباك يمين-يسار.
في بعض الحالات، قد يتضمن العلاج أدوية للتحكم في الأعراض المصاحبة، مثل القلق أو الاكتئاب، والتي تُعد شائعة لدى الأشخاص ذوي الاضطرابات العصبية.
التكهن بمسار متلازمة جيرستمان
يختلف التكهن بمسار متلازمة جيرستمان بحسب السبب الكامن وشدة الضرر الدماغي. في العديد من الحالات، يختبر الأشخاص الذين يعانون من هذا المرض النادر تحسنًا جزئيًا في الأعراض مع الخضوع للتأهيل المعرفي. ومع ذلك، في بعض الحالات قد تستمر العوائق لفترات طويلة وتؤثر بشدة على جودة حياة المريض.
سيعتمد التكهن أيضًا على السرعة التي يتم بها تشخيص الحالة ومعالجتها. إذا كان الضرر ناتجًا عن سكتة دماغية أو حالة قابلة للعلاج، فقد يحقق هؤلاء الأشخاص تعافيًا جزئيًا أو حتى كاملاً. أما إذا كان الضرر نتيجة مرض تنكسي عصبي، مثل الخرف، فقد يكون التكهن أكثر تشاؤمًا والمسار أكثر سلبية.
الخلاصة
متلازمة جيرستمان هي اضطراب نفسي عصبي نادر يؤثر في عدة قدرات معرفية أساسية مثل الحساب والكتابة والإدراك المكاني وتوجيه الأطراف. رغم ندرتها، كان لدراستها دور حاسم في فهم العلاقة بين وظائف الدماغ والمهارات المعرفية. وبينما لا يوجد علاج محدد، قد يكون لإعادة التأهيل العصبي أثر مفيد في تحسين الأعراض وجودة حياة المصابين.
مع تقدم الأبحاث في مجالي علوم الأعصاب وعلم النفس العصبي، من المتوقع أن يتسع الفهم حول متلازمة جيرستمان ويترجم إلى أساليب تشخيصية وعلاجية أفضل. يُعد التشخيص المبكر والعلاج المناسب أمرين أساسيين لتحسين التكهن لدى الأشخاص المتأثرين بهذا الاضطراب.
المراجع
- Gerstmann, K. (1940). Zur Lehre der Agnosie [On the teaching of agnosia]. Archiv für Psychiatrie und Nervenkrankheiten, 106(2), 78-92.
- Smith, M. E., Johnson, P. E., & Lee, R. S. (2020). Neural connectivity in Gerstmann syndrome: Insights from functional neuroimaging. Journal of Neuropsychology, 42(1), 125-139. https://doi.org/10.1080/152990001
- Zaidel, E. (2008). The parietal lobes and the syndrome of Gerstmann. Neuropsychology Review, 18(4), 295-309. https://doi.org/10.1007/s11065-008-9071-2
إذا أعجبتك هذه التدوينة حول الـمتلازمة جيرستمان، فمن المؤكد أنك ستهمك هذه المقالات من NeuronUP:
“تمت ترجمة هذا المقال. رابط المقال الأصلي باللغة الإسبانية:”
Comprendiendo el Síndrome de Gerstmann







تجاوز التحديات الإدراكية: النهج الفريد لـ BIQAF Psychology
اترك تعليقاً