في هذا المقال نستكشف بعمق اضطراب ثنائي القطب، مع استعراض لـأنواعه، أسبابه، أعراضه، تشخيصه وعلاجه.
ما هو اضطراب ثنائي القطب؟
اضطراب ثنائي القطب، المعروف أيضًا باسم الاكتئاب الهوسي، هو اضطراب عقلي يتميز بتقلبات شديدة وغير طبيعية في المزاج والطاقة والسلوك. هذه الحالة المزمنة تتبدل بين نوبات هوسية أو هيبومانية ونوبات اكتئابية، والتي قد تستمر من أيام إلى أشهر.
خلال نوبة هوسية قد يختبر الشخص شعورًا شديدًا بالنشوة، مستويات عالية من الطاقة، اندفاعية وقدرة منخفضة على اتخاذ قرارات حكيمة. على النقيض من ذلك، في نوبة اكتئابية قد يشعر الشخص بحزن عميق، فقدان الدافع ونقص في الطاقة. تؤثر هذه التغيرات الجذرية على القدرة على أن يعيش الشخص حياة طبيعية، بما في ذلك العمل والعلاقات الشخصية والأنشطة اليومية. أحيانًا قد تظهر الأعراض الهوسية والاكتئابية معًا فيما يُسمى “نوبة مختلطة“.
بجانب التغيرات العاطفية، يؤثر اضطراب ثنائي القطب على القدرة على التفكير، النوم، الشهية والطاقة. قد تكون هذه النوبات شديدة لدرجة أنها تعطل بشكل كبير الوظائف اليومية للشخص، وفي بعض الحالات قد تتطلب الاستشفاء.
أنواع اضطراب ثنائي القطب
هناك عدة أنواع من اضطراب ثنائي القطب، تختلف في شدة وطول نوبات الهوس والاكتئاب. فيما يلي توضيح الأنواع الأكثر شيوعًا:
اضطراب ثنائي القطب النوع الأول
يتميز هذا النوع بوجود نوبات هوسية تستمر لأسبوع على الأقل أو تكون شديدة لدرجة تتطلب الاستشفاء الفوري. على الرغم من أن النوبات الاكتئابية شائعة أيضًا في اضطراب ثنائي القطب النوع الأول، إلا أنها ليست ضرورية للتشخيص. قد يختبر الأشخاص المصابون بهذا النوع نوبات مختلطة، حيث تحدث الأعراض الهوسية والاكتئابية في نفس الوقت.
اضطراب ثنائي القطب النوع الثاني
ينطوي اضطراب ثنائي القطب النوع الثاني على نوبات اكتئابية شديدة ونوبات هيبومانيا، التي تشبه الهوس لكن بدرجة أقل حدة. لا تتسبب الهيبومانيا عادة في الخلل الاجتماعي أو الوظيفي الذي قد تسببه الهوس، مما يجعل تشخيصها صعبًا في كثير من الأحيان. ومع ذلك، قد يعاني الأشخاص ذوو النوع الثاني من ضعف شديد بسبب النوبات الاكتئابية الممتدة، والتي قد تتضمن أعراضًا ذهانية.
الاضطراب الدوري المزاجي (السيكلوثيميا)
السيكلوثيميا هي شكل خفيف من اضطراب ثنائي القطب، حيث لا تصل تقلبات المزاج إلى شدة نوبات الهوس أو الاكتئاب الكبرى. يختبر الأشخاص المصابون بالسيكلوثيميا تقلبات في المزاج لمدة لا تقل عن عامين لدى البالغين، أو عام واحد لدى الأطفال والمراهقين. على الرغم من أن الأعراض أخف، فقد تكون السيكلوثيميا معوقة وقد تتطور إلى اضطراب ثنائي القطب أكبر إذا لم تُعالج.
اضطراب ثنائي القطب غير محدد
يُستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى اضطرابات ثنائية قطب لا تتناسب بدقة مع الفئات الموصوفة أعلاه. قد يشمل ذلك نوبات ذات خصائص مختلطة أو أعراضاً نمطية لا تستوفي تمامًا معايير الأنواع الأخرى.
بغض النظر عن نوع اضطراب ثنائي القطب، يعاني بعض الأشخاص من “دوران سريع”، مما يعني أنهم يمرون بأربع نوبات أو أكثر من الهوس أو الهيبومانيا أو الاكتئاب خلال عام واحد. يرتبط الدوران السريع بتوقعات أكثر صعوبة وحاجة أكبر إلى علاج متخصص.
ما الذي يسبب اضطراب ثنائي القطب؟
ينتج اضطراب ثنائي القطب عن تفاعل معقد بين عوامل وراثية وعصبية وبيئية. على الرغم من أنه لم يتم تحديد سبب واحد، تساهم عدة عوامل في ظهوره:
الوراثة
تلعب الوراثة دورًا مهمًا في تطور اضطراب ثنائي القطب. رغم أنه لا يوجد جين واحد مسؤول، تشير الدراسات إلى أن مزيجًا من عدة جينات قد يزيد من احتمالية الإصابة بهذه الحالة. أظهرت الأبحاث أن وجود فرد قريب في العائلة، مثل أحد الوالدين أو أخ، مصابًا باضطراب ثنائي القطب يزيد بشكل كبير من الخطر. ومع ذلك، لا تعتبر الوراثة حاسمة؛ حتى في التوائم المتماثلة، إذا كان أحدهما مصابًا بالاضطراب، فإن الآخر لديه فقط احتمال بنسبة 40% للإصابة، مما يشير إلى أن عوامل أخرى متورطة أيضًا.
البيئة
عوامل بيئية مثل التوتر، الصدمات في الطفولة، العلاقات المضطربة أو الأحداث الحياتية المجهدة يمكن أن تطلق نوبات من اضطراب ثنائي القطب، خاصة لدى الأفراد ذوي الاستعداد الوراثي. حوالي 50% من البالغين المصابين باضطراب ثنائي القطب قد تعرضوا لأحداث صادمة في طفولتهم، مما قد يسبق بداية المرض ويزيد من شدة النوبات. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون فقدان النوم أو التغيرات في نمط النوم محفزًا مباشرًا للنوبات الهوسية.
حالة عصبية
على الرغم من أنها أقل شيوعًا، قد تتسبب بعض الحالات العصبية في ظهور أعراض ثنائية القطب. إصابات الدماغ، الأمراض التنكسية العصبية مثل التصلب المتعدد، أو حتى السكتات الدماغية، قد تؤثر على مناطق في الدماغ مرتبطة بالتحكم في العواطف وتزيد من احتمال تطور الاضطراب.
أعراض اضطراب ثنائي القطب
تتفاوت أعراض اضطراب ثنائي القطب بشكل كبير، اعتمادًا على نوع النوبة التي يمر بها الشخص: هوسية، اكتئابية أو مختلطة. فيما يلي خصائص كل مرحلة:
المرحلة الهوسية
خلال نوبة هوسية، قد يشعر الشخص بنشوة مفرطة، طاقة زائدة أو حتى تهيج. الأعراض الشائعة تشمل:
- زيادة في الطاقة والنشاط
- احتياج أقل للنوم
- تسارع الأفكار وكثرة الكلام
- شعور مبالغ فيه بالثقة بالنفس أو العظمة
- سلوكيات اندفاعية أو خطرة (إنفاق مفرط، سلوك جنسي متهور)
- صعوبة في التركيز أو اتخاذ القرارات
- في الحالات الشديدة، أعراض ذهانية مثل الهلاوس أو الأوهام
المرحلة الاكتئابية
النوبة الاكتئابية هي عكس الهوس، وتشمل شعورًا عميقًا بالحزن أو اليأس. الأعراض تشمل:
- مشاعر عدم الجدوى، الذنب أو اليأس
- فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانت ممتعة سابقًا
- صعوبة في التركيز أو اتخاذ القرارات
- تغيرات في الشهية والنوم (أرق أو فرط النوم)
- التعب ونقص الطاقة
- أفكار انتحارية أو محاولات انتحار
المرحلة المختلطة
النوبات المختلطة تجمع أعراضًا من الهوس والاكتئاب في نفس الوقت. على سبيل المثال، قد يشعر الشخص بحزن شديد مع طاقة كبيرة. هذا النوع من النوبات متقلب للغاية وقد يزيد من خطر الأذى الذاتي أو السلوكيات الانتحارية.
الهيبومانيا
الهيبومانيا هي نسخة أخف من الهوس. على الرغم من تشابه الأعراض، إلا أنها لا تتداخل بنفس القدر مع الحياة اليومية، وقد يشعر الشخص بزيادة الإنتاجية. مع ذلك، قد تسبق نوبات الهيبومانيا نوبات اكتئابية شديدة.
كيف يتم تشخيص اضطراب ثنائي القطب؟
يتطلب تشخيص اضطراب ثنائي القطب تقييماً شاملاً من قبل متخصص في الصحة العقلية. تشمل هذه العملية:
- فحوصات طبية: لاستبعاد أسباب أخرى محتملة للأعراض، مثل مشاكل طبية.
- التاريخ الطبي: تحليل للسجل الطبي والعائلي لتحديد عوامل الخطر الوراثية.
- اختبارات طبية: أحيانًا يتم إجراء تحاليل دم أو اختبارات أخرى لاستبعاد أمراض أخرى.
- تقييم الصحة العقلية: من خلال المقابلات السريرية والاستبيانات لتقييم طبيعة وشدة الأعراض.
علاج اضطراب ثنائي القطب
على الرغم من أن اضطراب ثنائي القطب هو مزمن, فإن العلاج ضروري لمساعدة الأشخاص على التحكم في الأعراض وقيادة حياة وظيفية. تشمل العلاجات الأكثر شيوعًا:
- الأدوية: مثبتات المزاج مثل الليثيوم، والمضادات الذهانية غير التقليدية تساعد على التحكم في النوبات الهوسية والاكتئابية. في بعض الحالات، يمكن استخدام مضادات الاكتئاب تحت إشراف صارم.
- العلاج النفسي: تساعد العلاجات، مثل العلاج المعرفي السلوكي، الأشخاص على تحديد أنماط التفكير والسلوك السلبي وتطوير استراتيجيات للتكيف.
- علاجات أخرى: العلاج بالصدمة الكهربائية (TEC) هو خيار للحالات الشديدة أو المقاومة للعلاج. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون التمرين المنتظم والمتابعة الدقيقة للمزاج مفيدين في الوقاية من الانتكاسات.
في بعض الحالات، يكون الضعف الإدراكي جانبًا إضافيًا لاضطراب ثنائي القطب، خاصة بعد عدة نوبات. المناطق الأكثر تأثرًا تشمل التركيز والذاكرة والوظائف التنفيذية. لمعالجة هذه المشكلات، قد يساعد العلاج المعرفي الذي يركز على التحفيز المعرفي في تحسين وإبطاء التدهور العقلي.

اضطراب ثنائي القطب في المجتمع
تأثير اضطراب ثنائي القطب على الحياة اليومية
لا يؤثر اضطراب ثنائي القطب على الصحة العقلية والعاطفية للأشخاص المصابين فحسب، بل له أيضًا تأثير كبير على مجالات مختلفة من الحياة اليومية، مثل العلاقات الشخصية والعمل والرفاهية العامة. فهم هذه التأثيرات أمر بالغ الأهمية لمساعدة المتأثرين وأحبائهم على إدارة التحديات التي تفرضها هذه الحالة بشكل أفضل.
العلاقات الشخصية
غالبًا ما يواجه الأشخاص المصابون باضطراب ثنائي القطب صعوبات في علاقاتهم الأسرية، الزوجية والصداقة. قد تؤدي النوبات الهوسية إلى خلق صراعات نتيجة التهيج أو السلوك الاندفاعي، بينما يكون العزلة أو فقدان الاهتمام بالتفاعل مع الآخرين شائعًا خلال النوبات الاكتئابية. يمكن أن تختبر العلاقات تقلبات عاطفية تختبر الروابط وتؤدي إلى سوء فهم أو توتر.
من المهم أن يفهم المقربون طبيعة المرض، إذ يمكن أن يسهل التثقيف حول الاضطراب التعاطف والمساعدة في وضع حدود واضحة. تعتبر العلاجات الأسرية أو الزوجية مفيدة لتحسين التواصل وخلق بيئة دعم متبادل.
العمل والحياة المهنية
يمكن أن يؤثر اضطراب ثنائي القطب بشكل كبير على الأداء في مكان العمل. خلال النوبات الهوسية، من الشائع أن يشعر الأشخاص بثقة مفرطة ويتصرفوا باندفاع، مما قد يؤدي إلى قرارات عمل متهورة أو سلوكيات محفوفة بالمخاطر. على النقيض من ذلك، قد تتسبب النوبات الاكتئابية في غيابات عن العمل، انخفاض الإنتاجية أو صعوبة في التركيز، مما يُفسَّر غالبًا على أنه فقدان دافع أو عدم اهتمام بالعمل.
يواجه العديد من المتأثرين قرار ما إذا كان يجب عليهم الإفصاح عن حالتهم لأصحاب العمل. بينما يفضل البعض الاحتفاظ بها خاصة، يجد آخرون أن مشاركة تشخيصهم يسهل تكييفات معقولة في مكان العمل، مثل جداول مرنة أو تخفيف عبء العمل خلال النوبات الحادة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تكون برامج الدعم في مكان العمل أو السياسات المتعلقة بالصحة العقلية موارد قيِّمة.
الرفاهية الجسدية والعناية الذاتية
لا يؤثر اضطراب ثنائي القطب على الصحة العقلية فقط، بل قد يترتب عليه أيضًا عواقب على الصحة الجسدية. يمكن أن تزيد التغيرات في النوم والشهية ومستويات الطاقة من خطر الإصابة بحالات أخرى، مثل أمراض القلب أو السكري، خاصة إذا رافق ذلك سلوكيات مدمرة للذات مثل تعاطي المواد.
للحفاظ على صحة جسدية وعقلية جيدة، من الضروري أن يتبع الأشخاص المصابون باضطراب ثنائي القطب نمط حياة صحي يتضمن:
- روتين نوم منتظم: النوم عامل رئيسي للوقاية من النوبات الهوسية، لذلك من الضروري الحفاظ على جدول نوم ثابت.
- ممارسة التمارين بانتظام: يمكن للنشاط البدني أن يحسن المزاج ويقلل التوتر.
- تغذية متوازنة: الأكل الصحي يساعد على الحفاظ على مستويات الطاقة وتنظيم المزاج.
- تجنب الكحول والمخدرات: قد تطلق المواد النوبات الهوسية أو الاكتئابية وتعيق العلاج.
الخلاصة
اضطراب ثنائي القطب هو حالة مزمنة تؤثر على جميع جوانب حياة المصابين بها. من العلاقات الشخصية إلى الأداء الوظيفي والصحة الجسدية، فإن التأثير واسع النطاق. ومع ذلك، مع تشخيص مناسب وعلاج مستمر، يمكن للعديد من المصابين باضطراب ثنائي القطب أن يعيشوا حياة مليئة ومنتجة. الفهم والصبر والدعم الاجتماعي عوامل أساسية للمساعدة في التعامل مع آثار هذا المرض.
إذا أعجبتك هذه المقالة حول اضطراب ثنائي القطب، فقد تكون مهتمًا أيضًا بمنشورات أخرى على NeuronUP:
“تمت ترجمة هذا المقال. رابط المقال الأصلي باللغة الإسبانية:”
Trastorno bipolar: qué es, tipos, causa, síntomas, diagnóstico y tratamiento








اترك تعليقاً